القدر ، و إتكاليتنا عليه

لما قد يشعر الإنسان ، بأنه بلا قيمة و أن حياته مقدّرة له ، و أن عليه الإقتناع بها و الرضا على اختيار الله له ، لأن الخيرة فيما اختاره الله لنا ، هذه الجملة تحمل في معناها من الراحة إلى أن تجعل الشخص المؤمن ايمانًا تامًا بها ، تجعله إتّكالي و يعتمد في حياته على المخطط الذي كتبه الله له ، في كتاب لا يعلمهُ سواهُ ، عزَّ في سماه !.

لذلك عندما ألتفتُ حولي اجد الكثير من الأشخاص ، و بل عائلات تأسست على “الخيرة فيما اختارهُ الله” ، فعندما يريد شابًا ان يتزوج من فتاة ، يختارها بناء على صلاة يستخير فيها الله في الشخص الذي سيكمل معه حياته ، لا بسبب أنها تحبهُ و يُحبها !

متناسيًا أن رسولنا الكريم ، احبَّ عائشة و تزوجها لحبهِ لها !.

اي نعم الخيرة فيما اختاره الله و الإستخارة تذلل احيانًا الصعاب ، و لكن بعدما تكون شخص واعي و يسعى في حياته و من ثم يأخذ بالأسباب و بالرسائل الإلهية التي تعبُر طريقك ، إن الخلط في المعتقدات الضاربة في عقلنا الجمعي ، هي ما جعلت مجتمعاتنا ، إتّكالية غير قادرة على مجاراة الحياة و تطورها …و عندما تواجهها مصيبة كبيرة تتطلب عمل عظيم ، كمواجهة وباء عالمي ، نجدنا نقول

” قل لن يصيبنا الا ماكتب الله لنا”

الغزالة و السرايا
اللوحة ، للفنان علاء بودبوس

حياة تحت الإيقاف

 

في هذه البلد كل شيء قيد التعطيل و الارباك حتى عند احتسائك لكوب قهوتك اليومي قد تجد عائقا لعدم توفر الغاز و انقطاع الكهرباء اذا حاولت اعدادها على الموقد الكهربائي ، انني لا ابالغ او اهولّ الامر .

عزيزي القارئ الذي يقرأ مقالي الآن او بعد عشر سنوات هذه التدوينةلك ، اكتب لك حتى تعلم جيدًا لما قد يكون الليبي متوترًا على الدوام قلقًا و هلعًا من حياته ، لأن حياتنا ليست بحياة ، و إنما هي حياة تحت الإيقاف ، بمعنى أن يومنا العادي هو اليوم الذي يقضيه العالم الآن في الحجر المنزلي بسبب وباء كورونا ، أي نستيقظ صباحا ، نصلي ، نأكل ، و نذهب إلى العمل او نؤديه من البيت ، و ننام ، و هكذا دواليك أ هذه حياة ؟

إن فكرة التأقلم و التعايش مع هذا الوضع هو اكثر ما يخفيني بحيث يصبح طبيعي و انت مطالب بأن تكون انسان طبيعي جدًا ، دون مضاعفات الحرب التي كل يوم تسبب لنا في عقد جديدة و أزمات متوالية ، عليك أن تكون شخصًا فعّال في بيئتك ، ودود ، لا تمارس هذه العقد على الاخرين و في حال خرجت عن السيطرة و أصبحت هذه العقد واضحة للعيان ، اذا انت بك خطب كبير جدا و عليك إيجاد حل جذري له ، مع عدم توافر عيادات نفسية في كل المدن و القرى ، و انحسارها في المدن الكبيرة ، هذا التعايش المطالبين به مفزع بحيث اذا سافرت و عشت لفترة وجيزة في دولة أخرى ستستغرب تحملك و صبرك على حياتك المريبة التي عليك أن تكون حامدًا لله عليها بكل الأحوال ، نحن هنا دائما مطالبين لأن نرى للذين وضعهم المعيشي أسوأ منّا لكي نحمد الله على ما وهبنا إياه و نرضى بما لدينا من نِعم ، بالتأكيد الانسان مطالب بأن يكون قنوعًا بما لديه و شاكرًا له ، و لكن ليس بالدرجة التي يتعامل بها الليبيين مع حياتهم ، الليبي الآن يحمدالله انه وجد مكان ينزح للسكن إليه حتى و إن كان في عمارات لم يكتمل بنائها بعد و غير صالحة للعيش بطبيعة الحال !

 

هذه احدى العمارات غير المكتملة ، يسكنها النازحين في طرابلس

هذا الخنوع لما تؤول إليه الحياة اليوم في بلادنا ليس صحيًا مطلقًا ،و هو ما جعل معظم الليبيين لا يجدون حاجة في تطوير انفسهم على الصعيد الشخصي و من ثم على الصعيد المجتمعي ، الإكتفاء بما أعطاه الله لنا و الرضا به ، و كأن الإنسان ليس مطالب بالسعي و الاجتهاد لتحسين حياته و حياة البشرية على اعتبار أنه خليفة الله في الأرض .

 

إن كل من يحاولون اليوم لتطوير حياتهم على مدار الأعوام و اعتبارها سلسلة لا منتهية من العمل على تطوير الذات و المجتمع هم في الحقيقة يحاربون بكل ما لديهم من شغف و حب و صبر للعمل الذي يقومون به ، بالتحديد الأشخاص و المؤسسات التي تعمل على الجانب الثقافي و الفني في البلاد و النهوض بالحركة التنويرية في ليبيا ، هؤلاء نادرين جدًا ، لأن حتى في هذه الفئة من المجتمع يوجد المزيفون اللذين أهدافهم من كل العمل الذي يقدمونه يكون مادي فقط ، ولكن علينا أن ندعم بكل ما لدينا كل من يحاول عدم الانصياع و التعايش مع وضع الحرب و ما تؤول اليه من مشاكل مختلفة تجعل من فعل العيش مرهق و مقلق ، من يحاولون أن ينقلوا إلينا الحياة التي نريدها عندما نسافر خارج البلاد ، و يعرضون انفسهم للخطر الأمني و ألسِنة الناس اللاذعة .

مميزوا تويتر 2

 

ان اختياري سواء في التدوينة الأولى و هذه المرة مبني على اختيار الشخصي بالإضافة الى انني قمت باستطلاع للرأي بسيط و صوت الغالبية على هؤلاء الأشخاص .

قد تكون هذه التدوينة اقل طولا من الأولى و لكنها حتما مميزة لان الأشخاص الذين سأكتب عنهم ، مؤثرين بشكل ما في التايم لاين للتويتر ، لذلك وجب الكتابة عنهم .

 

بداية مع شخصية جدّية نوعا ما ، لا نرى في صفحته الخاصة سوى اخبار ليبيا و تحليلاته السياسة و مناوشاته مع الاخرين أحيانا ، و هو ينأى بحياته الشخصية عن التويتر و لا يشارك بها العامة .

عماد بادي ، سياسي المستقبل احب دائما ان ادعوه بهذا الوصف ، فكلما اردت فهم ما يحصل في البلاد من تعقيدات سياسية اجدني اتتبع ما ينشره و يعبر عنه ، ما يمز عماد انه المحتوى الذي يقدمه مهني جدا ، صادرا عن رأي سياسي و ليس اطلاق احكاما فضفاضة ، و الأهم من ذلك عدم انحيازه بشكل واضح لاحد طرفي الصراع ، و هو امر صعب توافره لدى السياسيين اليوم.

 

شخصية أخرى تحب الخوض في السياسة بشكل كبير ، فهو الى حدما مثل عماد لكنه لا يخصص صفحته فقط للأخبار ، محمد بوفلغة ، ما يجلعني اضمّنه من بين هذه التدوينة هو خوضه المستمر في الدفاع عن أفكاره السياسية و غير السياسية ، اعتبره مصدرا اخر بالنسبة لي للأخبار الأقل تعقيدا فهو يبسطها على العكس من عماد ، اختلف معه كثير من الأحيان مع هذا لا اجده متعصبا في تحيزه لاحد طرفي الصراع .

ما يثير اهتمامي في شخصيتين مثل عماد و محمد هو المهنية التي يتمتعان بها في طرحهما للأخبار حتى و ان كانت في بعض الأحيان ترجح طرفا عن الاخر ، و لأنني مهتمة نوعا ما بالسياسة ، فلم اجد اشخاص اخرين يقدمون محتوى على هذا المستوى من النضج حتى عند النقاش معهما ، كذلك عدم بخلهما من المساعدة عند طلبها على الرغم انني اعلم انهما مشغولين جدا بطبيعة دراستهما و شغلهما و لكن من الجيد مد يد العون دون تكلف او مماطلة.

 

اما الشخصية الأخيرة المثيرة للجدل و هو رواد ، اعتقد لا يوجد احد في تويتر لا يعرف رواد ، سخريته اللاذعة التي اجدها في كثير من الأحيان مضرة بالآخرين قد يتأذون منها نفسيا ، و لكن هذا أسلوبه الذي يتبعه للتغير في نفوس الناس عن طريق النكتة ، و نجح في الكثر من المرات في هذا الامر بالسخرية على بعض العادات و التقاليد المجتمعية و في بعض الأحيان قام بتوسيع الفجوة خاصة ما بين الشرق و الغرب و الاستهزاء ببعض عادات الشرق مما أدى للكثير من المشاحنات غير اللائقة من الطرفين و تعزز مفهوم الشراقة و الغرابة الذي قد يكون يريد السخرية منه لعدم التسليم بالبديهيات المجتمعية ولكن ليس في كل الأحوال تكون السخرية هي الأداة الفعالة لتحقيق نتيجة معينة .

المثير للاهتمام ان رواد لا يسخر من الأشخاص ، بل من المعتقدات و الأفكار التي يحملها الشخص مما يدعوه لإعادة التفكير في أفكاره .

و ما يثير استغرابي أيضا التأييد العمياني احينا للأخرين لأفكار رواد ، بمعنى انه غير قابل للخطأ و التسليم بأفكاره امر واجب عليهم طواعية و لا مجال للتشكيك في هذا الامر ، اعتقد العلاقة الطيبة التي صنعها رواد مع التويتريين هي ما جعلتهم يتقبلون آرائه بهذا الشكل و عادة ما يتم النقاش بينهم بميمز و ضحك و ود ، اذا فهموا القصد الذي من اجله سخر رواد منهم .

هؤلاء هم جملة مميزو تويتر الذين اتابعهم منذ سنوات و لا اجدهم متناقضين في آرائهم و لا يكيلون بمكيالين … على امل العثور على شخصيات أخرى مميزة تثري محتوى تويتر .

رسالة إلى هناء

الكتابة ما هي إلا فعل مقاومة بالنسبة لي ، ففي كل مرة أصاب فيها بخيبة ما ، بحزن ما ، اهرع للكتابة كوسيلة للتخلص من كل الأفكار السيئة الجاثمة على فكري و مشاعري و ها انا اليوم الجأ إلى طوق نجاتي المفضل ، بعد أن ذهبتي يا صديقتي و تركتني اصارع افكاري وحيدة ، اكتشافكِ كان حدث مدوّي في حياتي ، فخلال السنة الأولى من الدراسة في كلية غريبة و تخصص لا احبه ، كنتُ متقوقعة نوعا ما في علاقتي مع الزملاء ، لم أحاول أن أكوّن علاقات جديدة و اكتفيتُ بصديقتي التي بدأنا مشوار الدراسة في القانون مع بعضنا .

 

خلال السنة الثانية و انتقالي من كلية سرت إلى جامعة الجفرة ، تعززت علاقتي بك ، و في الحقيقة انتِ و شهد ، كنتما من أوائل الشخصيات التي تعرفت عليها في بيئة غريبة عني و ثقافة مختلفة إلى حد ما عن ثقافة المجتمع الذي قدمتُ منه .

في كل مرة كنت اتبادل الحديث معك اكتشف فيك عنصر جديد كان غائبا عني، اغوص مرة بعد أخرى في شخصيتك الفريدة من نوعها ، لم تكوني يا عزيزتي من الشخصيات الواضحة للعيان حتى و إن كنتِ تتركين انطباع بأنك شخص اجتماعي و مرح و لطيف ، إلا أنه القليلين من يعرفون هناء من الداخل ، صاحبة الأفكار الغريبة و الروح المتقدة .

هذا الأمر هو ما جعلني اتحمس للتقرب إليك و صراحة لم ابذل الكثير من الجهد لتقوية صداقتنا ، فكنتي تريدين الأمر ذاته ، لاسيما انكِ كنتي تخوضين أوقات عصيبة في تلك الفترة ، و وجدتِني استمع إليك بشغف .

كنتي، من الشخصيات القلائل في حياتي الذين ينشرون الطاقة الإيجابية و الروح المرحة في ذات الوقت تكونين العاقلة الحكيمة بنصائحك الواقعية ، في كل مرة نتحدث سويا في الليل عادة ، تمتد المكالمة لساعات و ساعات ، فلسفتك في الحياة و في الاحداث اليومية التي نواجها مقاربة بشكل غريب لفلسفتي الخاصة ، و اعتقد هذا ما جعلنا نصبح مقربات لحد كبير خلال سنتين فقط .

لن انسى مطلقا تلك الوريقة الصغيرة التي مددتها لي خلسة في احدى المحاضرات عندما كنت امر بفترة صعبة غير مستقرة نفسيا ، كانت كلماتك في تلك الورقة مضحكة و مواسية و داعمة ، لن انسى لتلقيك الشتائم بسببي من الأستاذ عند دفاعك عني ، لن انسى ذلك اليوم الذي كنتي فيه جدا جميلة و اخذتُ لكي صور للذكرى ، و بالتأكيد لن انسى تدريبات المحكمة الصورية و حماسك لها و تألقكِ في ذاك اليوم الاستثنائي .

روحكِ أبدية يا صديقتي و ستظلين دائما في قلبي بضحكاتكِ و نصائحك ِو محبتكِ .

أنا و هناء ، مرتديتين ثوب المحامين ، في يوم المحاكمة الصورية .

 

 

 

ليلة المطار العظيمة

في تلك الليلة العظيمة ليلة الثالث و العشرين من سبتمبر، كنت قد عزمت السفر الى تونس من اجل استكمال دورة تدريبية حول الصحافة الاستقصائية و برفقتي اخي ، و لان منطقتنا بكاملها _الجفرة_ لا يوجد بها مطار مفعل ، نضطر في كل مرة نريد فيها السفر خارج البلاد الى السفر أولا لمصراته من ثم الإقلاع منها لوجهتنا ، تلك المرة كانت استثنائية بسبب الحرب .

خرجنا من هون فالصباح الباكر للوصول الى المطار على التوقيت المناسب و اللحاق برحلتنا التي كانت من المفترض ان تقلع عند الثامنة مساء ، عند العصر وصلنا للمطار ، و كان مكتظا بالمسافرين لم اره من قبل على هذه الحالة ، بسبب اغلاق مطار معيتيقة بطرابلس ، فاصبح كل المسافرين من المنطقة الغربية يأتون لمطار مصراته بسبب تحويل كل رحلات مطار معيتيقة الى مطار مصراته ، كان الاستياء واضحا على العديد من المسافرين ، المنهكين مثلي من طريق بري قاسي في أجواء صيفية شديدة ، لم اجد مكانًا للجلوس به ، بجانبي حقيبتي السفر واقفة اراقب الأطفال يلعبون بالأرجاء ، الى ان اتى موعد بدء الإجراءات و لم يتم النداء على رقم الرحلة بدأ التوتر لدي ، بعد مضي نصف ساعة من الموعد المحدد استفسرت من المسافرين الذين بجانبي و كانوا مثلي لا يعلمون سبب التأخير الذي هو متعارف عليه في كل الخطوط الليبية .

شحن الموبايل على وشك ان يفرغ ، دخلت الى صالة كبيرة تم اضافتها مؤخرا في ساحة المطار الامامية ، و هي خيمة كبيرة مكيفة مثل خيمة الاعراس ، اول ما دخلت لها شممت جميع أنواع الروائح ، عرق و روائح رخيصة و أخرى قوية و بخور و الأصعب من ذلك بالنسبة لي ضيق الهواء فالمكان مكتظ بالناس ، وجدت مكان لشحن موبايلي ، و بالصدفة كانت بجانبي امرأة متوسطة العمر ، طلبت مني الجلوس بجانبها و جعلت ابنها يفسح لي المكان كانت جدا ودودة و لطيفة ، اخبرتني لاحقا بأن ابنها اخبرها بأن الطائرة بها عطل ما ، و انا فور سماعي للخبر ارتبكت و لم اعرف كيف سنتصرف في ظرف كهذا .

خرجت لأخي اخبره بما سمعت في الداخل ، طلب مني بدوره ان ننتظر و نرى ما سيحدث ، كانت بجانبي هذه المرة سيدة مصرية مع أبنائها الثلاثة يبدوا انها كانت عاملة لدى احدى المكاتب ، سألتني ان كنت انا في رحلة الإسكندرية و اجبتها بالطبع لا ، كانت مضطربة و خائفة من ان تفوتها الرحلة لأنها أتت متأخرة قليلا ، و لكن بسبب الربكة التي سببتها طائرتنا المتعطلة تأخرت الرحلات الأخرى قليلا ، كان أبنائها صغارًا ، لم يكونوا قادرين على رفع امتعتهم و هي تجبر فيهم ان يرفعوها بأقصى جهد لهم ، كم شعرت بالحزن لحالهم .

بدأ المطار يفضى من المسافرين رويدا رويدا، و رحلتنا مجهول امرها،

المزعج في الامر انه لم يكن هناك أي شخص من الخطوط لنسأله عن الرحلة ، و كأن ان هؤلاء الناس لا أهمية لهم و ليسوا زبائن عندهم يهتمون لأمرهم .

فالمساء شعرت بالبرد دخلت للصالة ، و كان كل من في المطار هم رفقاء الرحلة المتأخرة ، جلست مع مجموعة من السيدات و الشابات نتبادل اطراف الحديث لتزجية الوقت قليلا ، علمتُ منهن ان سننتظر حتى تصل رحلة مصر الى وجهتها و تأتي لنا لتنقذنا من هذا الموقف الصعب ، يعني الانتظار سيطول و يطول و نحن في اول الليل لازلنا ، استغربت من المسافرين الذين من مصراته لم يرجعوا لمنازلهم للراحة و العودة عند البدء في الإجراءات .

في هذه المواقف تبرز أهمية تكوين الصداقات و المعارف ، فصديق لي من مصراته كان على علم بوجودي في المطار و طلب منا ان نخرج للعشاء في احد المطاعم ، في المطعم تسنى لي الاكل و الدخول للحمام ، ففي المطار الحمامات عامة و غير نظيفة بتاتا للأسف ، على الرغم من ان عمال النظافة في كل مكان ينظفون الطرقات و يرفعون اكواب القهوة و السجائر .

عدنا للمطار بعد ان قررنا البقاء فيه و عدم المبيت في فندق ، المريح في المطار ان العاملين فيه جدا محترمين على عكس العاملين في مطار معيتيقة أولئك تشعر بنظراتهم المتحرشة تخترقك اختراقا .

امضينا الليل بكامله و نحن نثرثر انا و اخي و صديقنا العزيز ، على الرغم من الحاحنا عليه بأن يذهب لبيته و ينام الا انه بقى معنا الليل بكاملة الى ان ركبنا في الطائرة .

الجميل أيضا في القائمين على مطار مصراته انهم وفروا ( بطانيات و فراشات ) للعجزة حتى يناموا ، على الرغم من محاولاتي للنوم قليلا الا انه لم أتمكن من ان اغمض عيني لدقيقة واحدة ، في ذلك اليوم تركز الكافيين في جسمي بأعلى مستوياته .

كانت وجوهنا ذابلة تعبة و ناعسه من شدة الاعياء ، و بعض الشباب الجرحى احتجوا و تشاجروا مع المسؤول عن الخطوط ، كان المسؤول بجانبي سمعته يقول على الهاتف لزميله لابد ان تبدأ الرحلة عند السابعة صباحا ، وقتها كانت الساعة الثانية عشر منتصف الليل ، يعني هذا، مازال الكثير من الوقت ، و كيف سيمر ؟؟

عند الساعة الثالثة و النصف تقريبا سمعنا صوت طائرة ، خرج الرجال من الصالة ليتأكدوا من انها الطائرة المرجوة ، و أخيرا كانت هي ، عائدة من رحلتها في مصر .

انتظرنا الى الساعة السادسة صباحا ، كان الشروق في بدايته ، حين اصطفننا لبدء الإجراءات ، و بدأ الناس يتدفقون من اجل رحلاتهم الجديدة و نحن عالقون من اليوم الماضي ننتظر في رحلة لا تستغرق الستون دقيقة .

في تلك الليلة العظيمة ، كان الناس لطفاء مع بعضهم ، على الرغم من قلة حيلتهم الا انهم كانوا متعاونين ، ركبنا الطائرة و الكل حرفيا غط في نوم عميق الى ان وصلنا بسلام الى الأراضي التونسية …يومها ايقنت مدى صعوبة السفر في بلد يخوض حرب أهلية ، و عند العودة أيضا تأكدت من ذلك فبعد مغادرتنا من المطار تم استهدافه بطيران حفتر .

هذه البلد تحتاج الى رحلة ذهاب دون إياب ..

مميزوا التويتر 1

إن الحديث عن جنون التويتر يتطلب جنونًا أكثر منه ، لذلك سأحاول أن اسرد بشيء من الجنون أبرز الشخصيات التي تؤثر في المشهد ” التويتر” و تويتز ، التي تنشرها و تكون متداولة و لها فائدة ما ! .

سأبدأ بعاشق السينما .. محمد بن عمران

بن عمران ، الصديق الهادىء العقلاني ، المتولع بحب السينما إلى درجة أنها عشيقته ، و استغنى بها عن الإناث ، صاحب مدونة أو صفحة مذكرات سنمائية ، تلك المذكرات التي تغدق علينا بحب السينما ، بن عمران كما احب أن اسميه ، اختار للسينما طريقًا له ، و منهاج للحياة ، فلم يكتفي بنشر حبه للسينما على صفحة مذكرات سينمائية فقط ، بل حتى في صفحته الشخصية شاركنا معه هذا الحب فهو لا يخشى أو يستحي في وصف حبيبته أو اظهارها لنا و التغزل بها ، كما يفعل الكثيرين .

لطالما إمتاز اسلوبه التحليلي النقدي بالعقلانية و الهدوء لا نجده يحكم على فيلم معين من منطلق عواطفه فقط ، يبدئ رأيه و يوضحه كالناقد ، و هو اكتسب هذا الشيء ليس في ليلة واحدة ، و إنما على مدار سنوات طويلة مارس فيها فعل النقد السينمائي و خصص وقت طويل من حياته اليومية للأفلام و المسلسلات ، دائمًا اتخيل غرفة بن عمران صالة سينما صغيرة ، غير مرتبة ، تحوطه الكتب و شيتات الجامعة و اكواب القهوة الفارغة ، و قد يكون تخيلي خاطىء ، لا احد يعلم هذا !!

يرى بن عمران في جملة ( it’s complicated ) تصف الكثير من المواقف الإنسانية التي لا نجد لها وصفًا معينًا لذا نصفها بأنها معقدة ، و هذه الجملة نجدها في معظم الافلام .

على الرغم من إن تفاعله يعتبر قليلاً نسبيًا مع ابرز الاحداث التي تدور على مواقع التواصل الاجتماعي متجنبا بذلك وجع الرأس و مركزًا على اهدافه في تطوير ذاته كناقد سينمائي و شغله مؤخرًا لدى احدى الشركات ، يقول بن عمران :

( توقفي عن الكتابة و التعليق على الأحداث الحاصلة في حياتنا ( عامةً) يرجع و ببساطة للفوضى الموجودة في السوشيال ميديا و الفوضى لا يحبذ المشاركة فيها . لهذا ، لدي قناعة بأن استمراري فيما أُحب قد يخلق توازن ما عند الآخرين ، توازن يوضح بأن لكل إنسان دوره ، و لكل دور تأثيره ).

نجد بن عمران ، يرتقي بنفسه في مجال النقد ، حتى نجده يمارس فعل النقد على حياته الخاصة ، ففي احدى التغريدات يحلل و ينقد علاقته مع عائلته ، و هو ما ادهشني قدرته على تحليل و نقد حياته ، التي قد يصعب عليك في احيان انت كشخص ان تفهم حياتك ليس أن تنتقدها ، و لكن بن عمران المتشبع بفن التحليل و النقد قادرًا على ذلك .

اخيرًا اجد في محمد بن عمران ، الصديق الذي اجتهد كثيرًا في مجاله ، و بعد سنوات سيحجز مكانه في مجال النقد و لعلنا نشهد له نحن اصدقائه كتبًا تزدان بها مكتباتنا و نثري بها فكرنا .

الشخصية النسوية المميزة..ملاك

ملاك النسوية بإمتياز ، و المدافعة عن حقوق المرأة ، الزوجة و البنت و الأم ، من خلال التويتز تحاول انها تنبه كل بنت لأهمية حقوقها المهدورة في مجتمع تصف فيه الرجال بأنهم trash ، اسلوبها النقدي الساخر و اللاذع يجعلها تؤثر بشكل سريع و يتفاعل معها متابعينها ، و هو أمر جيد لحد ما.

بإعتبار أنها شخصية غير معروف هويتها الحقيقية ، فلا نعلم ماهو اسمها الكامل أو صورتها ، فتجد متسع من الحرية في التعبير عن رأيها بأريحية عن مختلف المشاكل الحاصلة في البلاد ، و تنتقد هذا و تسخر من ذاك .

مع إنتشار التهجم على الآراء أو الإستهزاء بها إلا أن ملاك ، لم تمارس هذه العادة التي اتقنها العديد من المغردين ، و الذين يتابعهم المئات من الناس .. نجدها تنتقد و تمارس هذا الفعل فقط دون تطرف و احيانًا بإنفعالية في بعض المواقف لكنها سرعان ما تهدأ و ترجع إلى طبيعتها المعتادة في التغريد عن مختلف اليوميات التي نمر بها .

ملاك تجسد النسوية الثائرة ، على المعتقدات الخاطئة و النمطية التي تضع المرأة في قالب معين .

و اخيرا شخصية جدًا لطيفة و مميزة :

Meaning less Gibberish نيروز العبيدي

اسلوبها النقدي و الساخر من الحياة اليومية و المعتقدات و الممارسات ، هو ما يميزها و اعتقد هو ما جعلني أن اتابعها في المرتبة الاولى .

تتسم نيروز أو Meaning less Gibberish

بأنها على علاقة طيبة مع معظم التويبز على الرغم من نقدها و توتيز اللاذعة احيانًا ، إلا أنها ليست متنمرة حتى يكرهها المتابعين و إنما طيبتها و حِكمتها التي لا تتردد في مشاركتها مع الآخرين هو ما جعل منها شخصية مؤثرة .

نيروز ، تمثل الأم ، و المفكرة ، و الفيمنست ، التي تكافح في بلد تتخبط من حرب إلى اخرى ، علاقتها مع طفلها الوحيد جدًا مميزة ، و تشاركنا بعضًا منها ، و نرى مقدار الحكمة و اللطافة التي تتمع بهما في تعاملها مع طفلها .

القضية النسوية ، نلحظها عند نيروز و لكن ليس بشكل متطرف ، أو متشدد ، فهي لا تصف الرجال بأنهم trash ، و إنما تأخذ في القضية على محمل الجد و تناقش قضايا النساء في تغريداتها بصورة علنية و احيانًا بصورة غير مباشرة و الأهم من ذلك أنها ساخرة في معظم الأحيان .

عندما احصر أهم الشخصيات النسائيات في مواقع التواصل الاجتماعي المهتمات بالقضية النسوية ، تكون نيروز من بينهن ، لأن النقد الموضوعي _الرازن_ يجعلها تضيف إلى القضية الكثير ، محاولة منها إلى تغيير شي ما في المجتمع .

تقول نيروز :

( وجودكم جيد من المعتقدين بالتفوق لمجرد انتمائهم للذكور و استغبائهم لأي افكار و خيارات من أنثى بدون اعطائها فرصة لإثبات فشلها و بالمقابل تفهم خياراتهم السيئة و تعزيتها كتجارب اما الخيارات السيئة للإناث سببها طبيعة عقل الأنثى القاصر ).

ميسون السنوسي حبيب

افعل ما تحب و ما تمقت

من المفترض أن اكون في هذا الوقت الذي اكتبُ فيه حاليًا ، ادرسُ لمادة صعبة في تخصص لا اهواه و إنما القدر جعلني ادخل له .

قبل قليل اكملتُ كتابة مقال كان عليّا أن اكتبه منذ مدة ، و لكن لأسباب متعددة لم اكمله إلا اليوم ، و عند كتابتي لأي مقال ، اتذكر في كل مرة كم أنا سعيدة في ممارسة ” فعل الكتابة” ، خاصة الكتابة الصحفية ، و في كل ورشة عمل ، اتجرع جرعات كبيرة من السعادة اخزن بها طاقة حتى اكمل عام دراسي ثقيل ابتدئه كل يوم ، بطريق صحراوية مع هزهزة الحافلة و صخب الاغاني المغاربية او المرسكاوي ، و اكمل يومي شبه دائخة من الارهاق و النوم ، هكذا كل يوم على نفس الوتيرة المملة ! .

اجدُ في الكتابة متنفس ، تغوص في ابعد نقطة من تفكيري و تحرّك اعمق نقطة من وجداني ، فعل الكتابة هو خلاص للنفس من كل ما يعتريها من بؤس و يأس و من ضياع ، يقول الكاتب عبدالعظيم فنجان “ الكتابة فعل مقاومة لكل القبح و الرعب و الخوف ، لا فعل إنصياع “.

قد يجد الشخص نفسه بعيدًا عن الشغف الذي يملاؤه من الداخل ، و يشعر بالضياع ، لان ممارسة ما تحب يجعلك قادرًا على الإتزان ، و المضي في الحياة مع كل عوائقها اليومية .

في ساعات البؤس يولد الإبداع ، لطالما اعتقدت ذلك ، و لطالما كانت الأشعار البسيطة التي اكتبها وليدة ساعات الحزن و اليأس ، الحزن قادرًا على الإبداع بعكس السعادة التي تجعلك منتشيًا باللحظة ، فهي لا تثمر عملاً أو فنًا ، فمتى ما استغليت فترة سعادتك ضاعت منك ، لذلك وجب أن نعيشها كما هي دونما تعقيد أو محاولة منّا لفلسفتها .

كونك وُضِعتَ في مكان لا تحبه و لا ترغب فيه فهذا لا يعني انك لست قادرًا على أن تحقق ذاتك ، من خلاله ، أو أن تنجح فيه ، متى ما استوعبت كيفية مجاراته و التأقلم معه.

اعرفُ الكثير من الصديقات اللاتي يدرسن تخصصات يمقتنها و لكنهن متفوقات من الناحية الدراسية و لم يتركن شغفهن و مارسنه في أوقات مابعد الدوام ، أو إنهن يستغلن كل فرصة مواتية لتحقيق شغفهن بوجود الدراسة .

الخلاصة ، أن متى ما قررت أن تحاول التأقلم مع شيء ما ، فإنه سيسهل عليك و لن يصبح عقبة في طريقك و ستصبح قادرًا على تحقيق الأمرين …ما تحب و ما تمقت.

30/1/2019

بنتُ التونسية

لم اكن طفلة عادية ، عاشت طفولة ملؤها السعادة و الحياة المريحة ، كانت عائلتي مُتشظيّة ، فأمي متقاطعة مع جدّاي لأبي و مع عماتي و اعمامي ، لا أعلم ماهو السبب و لا أريد أن أعلمه بعد محاولاتي الكثيرة للفهم التي تواجه بالصد و إن هذه الأمور ليست من شأني ، و لكن بعد أن كبرت فهمت سبب هذه العداوة المبنية على اساس العِرق الاجنبي لأمي بإعتبارها ليست ليبية .

أنا إسراء ، عانيتُ في طفولتي من كافة انواع التّنمر و الحقد و الكره ممن حولي في المدرسة ، او في الشارع ، من ناس اعرفهم و آخرين لا تربطني بهم ايّ صلة ، فقط لمجرد أنني إبنة التونسية التي تجوزها أبي في اواخر الستينات .

في المدرسة عندما نلعب في الساحة يتحول إسمي من إسراء إلى بنت التونسية التي تنهال عليها افضع الشتائم فقط لأنني لست ليبية مائة في مائة !.

اعودُ للبيت و عيناي متورمتان من البكاء طيلة الطريق التي اقطعها لوحدي من المدرسة إلى البيت ، بينما بقية الأطفال يقذفونني بالحجارة ، أمي حاولت مرارًا و تكرارًا مع المدرسة ، و تقدم في الشكاوي و لكن لا احد يعيرها اهتمامًا ، فهي عاجزة عن فعل ايّ حل خاصة و إن والدي قد توفي و أنا بعمر الثلاث سنوات و اصبحتْ هي المسؤولة عنّي لوحدها ، في بلد تجد نفسها فيه غريبة غير مرحب بها رغم السنوات الطوال التي عاشتها فيه ، حتى ان لهجتها ليبية اصلية، و لكن كل ذلك ليس عذرًا كي يتم قبولها في المجتمع ، حتى الغريب حين نتعرف عليه يصادقننا لفترة قصيرة ثم يختفي من حياتنا ، لأن الآخرين ممن يعرفوننا يختلقون الاكاذيب و القصص الزائفة عنّا التي تنفّر الغير و نصبح وحيدين في بلد غريب لا اعتبرهُ وطناً التجأ إليه حين ضعفي و قوتي .

تقول لي أمي ، إن الإنسان ليس لديه سوى وطنه و مردوده لها ، فأقاطعها ، لما لا نذهب إلى تونس إلى موطنكِ و نحيا بهناء هناك !؟

تصمت أمي و لا تجيبني على سؤالي ، لكنني أقرأ من عينيها التي تقولان ، بأنني سأشعر بأنني غريبة هناك ايضًا ، اكثر من بقائي في ليبيا ، فهنا يشفع لي جواز سفري بأنني من اصول ليبية مهما قست عليا الحياة ، و لكن هناك قد أعاني الأمرّين !

لذا تعاني أمي في سبيلي ، قساوة الغربة و عدم تقبل الآخر لنا ، على أن اعاني انا من هذا الإحساس اذا ما انتقلنا .

العيش بنصف هوية في بلد لا يتقبل الآخر و لا يحترم التنوع لهو تعذيب للروح ، لا تهنأ فيها إلا مع مرور الوقت و التعوّد .

ميسون السنوسي

مرحبا بك يا ربيع

في كل عام اتحرّقُ شوقاً إلى أن ينتهي فصل الشتاء الطويل ببرده القارس ، و لياليه الطولية ، مع كل فصل تحتفل مدينتي بقدوم هذا الفصل ، إلا فصل الشتاء لا نحتفل به و أعتقد بسبب برودته التي تنخر في داخل عظامنا ، فبرد الصحراء قاسي كقسوة شمسها صيفاً .

استيقظُ من الصباح الباكر للعلب مع صديقتي ” مروه” في الحديقة ، فتارة نبني بيوتًا بعجن التراب بالماء ، و نطبخ حساء بورق الأشجار ، و في احياناً كثيرة نتشاجر مع بقية فتيات الحي ، كان الشجار متعتنا قديمًا .

اسمعُ صوت أمي تناديني لأدخل إلى البيت و تناول الغداء ، الوقت يمضي بسرعة باللعب مع صديقاتي في الشارع ، فنحن لانمتلك اجهزة إلكترونية لنلتهي بها ، كل مالدينا الشارع الرحب الواسع !.

تشتهر مدينتي هون بالإحتفال بفصول السنة ، فنحتفل بالصيف و تطهي امهاتنا اشهى انواع الأكل من الملوخية و الآتلي و خبز التنور اللذيذ .

بينما يحتل الخريف الصدارة في مدينتنا ، فنحتفي به بمهرجان الخريف ، عرس المدينة ، نتحرق شوقًا إليه من عام إلى آخر .

اما الربيع ، فإنه يُستقبل بأشهى انواع الحلويات التقليدية ، بكعك لبلاد او كعك الربيع ، و الخشكنان و النقيعة و الفول .

قالت لي أمي اننا سنذهب اليوم بعد المدرسة إلى منزل عمي ، كي نعد كعك الربيع ، تحمستُ كثيرًا و اردتُ أن تنتهي الحصص المدرسية بسرعة .

عند العصر ذهبنا إلى منزل عمي ، وجدنا زوجة عمي قد جهزت ” الجنان” و بدأت هي و أمي في عجن الكعك ذا اللون الأصفر ، تحب زوجة عمي أن تعد اعدادًا كبيرة منه ، حتى تتبادله مع الجيران و الأقارب .

قلتُ لزوجة عمي بلهفة و اشتياق إلى ماتعده : ” هل ستعدين الخشكنان ؟”

ابتسمت و قالت :” نعم ، اذهبي للمطبخ و احضري لي الزيت ”

ذهبتُ راكضة للمطبخ ، فهي تُعد الذ خشكنان في المدينة ، و هو عبارة عن كعك مقلي مرشوش بالسكر .

تعدّان الكعك و تشكلانه إلى عدة اشكال ، فللبنات تصنعان الضفيرة و المنزقة و هي حُلي للعروس ، و للأولاد السيف و الصلاية .

بعد أن ينتهيان من اعداده ، يقوم والدي برفعه إلى ” الكوشة” لخبزه ، في احيان سيئة قد يرجع الينا الكعك محروق او ليس بالدرجة التي تريدها أمي في الطبخ .

عند المساء تجتمع العائلة ، و الكل ينافس بطبقه مدعيًا أنه الألذ و الأشهى ، تتزين الأطباق بالورود و الفول و النقيعة .

لم اعرفُ يومًا سبب إحتفاء هون بفصول السنة و تأليف الاغاني لها ..

مرحبا بك يا ربيع بالصحة و العافية و النعمة اللي ضافية ، تربح تربح يا شتاء و اجعل عقبيتك دفاء ، طولني طول الشجر و عرضني عرض البقر .

و في الحقيقة لا أعلم ايضًا ما الجمالية في طول الشجر و عرض البقر !

كل ما اعرفه أنني أتلذذ بكعك الربيع و طقوسنا الحميمية كل عام .

ميسون السنوسي حبيب

عقدين

على اعتاب العشرين عاما ، و كم هو مريب هذا الرقم ، فلم اعد تلك الفتاة الصغيرة التي تلعب و تلهو في الشارع منذ الصباح الباكر و لم اعد تلك المراهقة ذات المشاعر المندفعة و الجياشة ، اصبحتُ اكثر نضجا اكثر وعياً ، تطلب مني الكثير من العناء و التحولات لكي اكون ما انا عليه الآن، اصبحت لا اخشى ان افصح عن عمري في الملتقيات و الاجتماعات ، كي لا اكون اصغرهم سناً ، على الرغم من انه كان يثبت لي صغر سني في تلك التجمعات انني على الطريق الصحيح و في المسار الذي اريده .

تطلب مني الكثير من المشاعر و التخبط حتى وصلت لهذا العمر و انا كلني فخر بما حققت و انا على اعتاب العشرين ، انا تلك الفتاة التي حققت جزء بسيط من احلامها في ان اصبح صحفية ، و كلني سعادة بخطواتي الصغيرة في هذا المجال ، اذكر جيداً ردة فعل و تعليقات المدربة في اخر ورشة عمل عن الصحافة في معهد صحافة الحرب و السلامiWPR ، و هي معجبة بالبرنامج الذي اعددته ، و لا انسى اطراءات الزملاء حينها من الاذاعات الاخرى ، انا التي ادرس القانون الذي ارغمني عليه الوقت ، و استطيع ان افصح لكم بأنني احبه اخيراً و يعكس جزء كبير من شخصيتي ! … و انا التي حققت اكبر انجاز لي بأن اسست ملتقى شباب الخريف ، في كل مرة استرجع ذكريات الملتقى و المهرجان غبطة تملأ قلبي حد الجنون و النشوة !

قد تكون تلك الانجازات القليلة بسيطة بالنسبة للبعض ، لكنها عظيمة بالنسبة لي و انا على اعتاب العشرين و انجزت كل هذا !! ليس غرورا و انما امتناناً لنفسي اولا و لعائلتي و اصدقائي الداعمين لي دائما .

عشرون عاما من الحب و الفرح و الحزن ، كلها شكلتني و رسمتني بما ابدو عليه اليوم و لازالت ستشكلني و ترسمي في اجمل لوحة .

أُطبِقُ عقدين من الزمن خلال اربعة ايام

١٨/١٠/١٩٩٨