رسالة إلى هناء

الكتابة ما هي إلا فعل مقاومة بالنسبة لي ، ففي كل مرة أصاب فيها بخيبة ما ، بحزن ما ، اهرع للكتابة كوسيلة للتخلص من كل الأفكار السيئة الجاثمة على فكري و مشاعري و ها انا اليوم الجأ إلى طوق نجاتي المفضل ، بعد أن ذهبتي يا صديقتي و تركتني اصارع افكاري وحيدة ، اكتشافكِ كان حدث مدوّي في حياتي ، فخلال السنة الأولى من الدراسة في كلية غريبة و تخصص لا احبه ، كنتُ متقوقعة نوعا ما في علاقتي مع الزملاء ، لم أحاول أن أكوّن علاقات جديدة و اكتفيتُ بصديقتي التي بدأنا مشوار الدراسة في القانون مع بعضنا .

 

خلال السنة الثانية و انتقالي من كلية سرت إلى جامعة الجفرة ، تعززت علاقتي بك ، و في الحقيقة انتِ و شهد ، كنتما من أوائل الشخصيات التي تعرفت عليها في بيئة غريبة عني و ثقافة مختلفة إلى حد ما عن ثقافة المجتمع الذي قدمتُ منه .

في كل مرة كنت اتبادل الحديث معك اكتشف فيك عنصر جديد كان غائبا عني، اغوص مرة بعد أخرى في شخصيتك الفريدة من نوعها ، لم تكوني يا عزيزتي من الشخصيات الواضحة للعيان حتى و إن كنتِ تتركين انطباع بأنك شخص اجتماعي و مرح و لطيف ، إلا أنه القليلين من يعرفون هناء من الداخل ، صاحبة الأفكار الغريبة و الروح المتقدة .

هذا الأمر هو ما جعلني اتحمس للتقرب إليك و صراحة لم ابذل الكثير من الجهد لتقوية صداقتنا ، فكنتي تريدين الأمر ذاته ، لاسيما انكِ كنتي تخوضين أوقات عصيبة في تلك الفترة ، و وجدتِني استمع إليك بشغف .

كنتي، من الشخصيات القلائل في حياتي الذين ينشرون الطاقة الإيجابية و الروح المرحة في ذات الوقت تكونين العاقلة الحكيمة بنصائحك الواقعية ، في كل مرة نتحدث سويا في الليل عادة ، تمتد المكالمة لساعات و ساعات ، فلسفتك في الحياة و في الاحداث اليومية التي نواجها مقاربة بشكل غريب لفلسفتي الخاصة ، و اعتقد هذا ما جعلنا نصبح مقربات لحد كبير خلال سنتين فقط .

لن انسى مطلقا تلك الوريقة الصغيرة التي مددتها لي خلسة في احدى المحاضرات عندما كنت امر بفترة صعبة غير مستقرة نفسيا ، كانت كلماتك في تلك الورقة مضحكة و مواسية و داعمة ، لن انسى لتلقيك الشتائم بسببي من الأستاذ عند دفاعك عني ، لن انسى ذلك اليوم الذي كنتي فيه جدا جميلة و اخذتُ لكي صور للذكرى ، و بالتأكيد لن انسى تدريبات المحكمة الصورية و حماسك لها و تألقكِ في ذاك اليوم الاستثنائي .

روحكِ أبدية يا صديقتي و ستظلين دائما في قلبي بضحكاتكِ و نصائحك ِو محبتكِ .

أنا و هناء ، مرتديتين ثوب المحامين ، في يوم المحاكمة الصورية .

 

 

 

ليلة المطار العظيمة

في تلك الليلة العظيمة ليلة الثالث و العشرين من سبتمبر، كنت قد عزمت السفر الى تونس من اجل استكمال دورة تدريبية حول الصحافة الاستقصائية و برفقتي اخي ، و لان منطقتنا بكاملها _الجفرة_ لا يوجد بها مطار مفعل ، نضطر في كل مرة نريد فيها السفر خارج البلاد الى السفر أولا لمصراته من ثم الإقلاع منها لوجهتنا ، تلك المرة كانت استثنائية بسبب الحرب .

خرجنا من هون فالصباح الباكر للوصول الى المطار على التوقيت المناسب و اللحاق برحلتنا التي كانت من المفترض ان تقلع عند الثامنة مساء ، عند العصر وصلنا للمطار ، و كان مكتظا بالمسافرين لم اره من قبل على هذه الحالة ، بسبب اغلاق مطار معيتيقة بطرابلس ، فاصبح كل المسافرين من المنطقة الغربية يأتون لمطار مصراته بسبب تحويل كل رحلات مطار معيتيقة الى مطار مصراته ، كان الاستياء واضحا على العديد من المسافرين ، المنهكين مثلي من طريق بري قاسي في أجواء صيفية شديدة ، لم اجد مكانًا للجلوس به ، بجانبي حقيبتي السفر واقفة اراقب الأطفال يلعبون بالأرجاء ، الى ان اتى موعد بدء الإجراءات و لم يتم النداء على رقم الرحلة بدأ التوتر لدي ، بعد مضي نصف ساعة من الموعد المحدد استفسرت من المسافرين الذين بجانبي و كانوا مثلي لا يعلمون سبب التأخير الذي هو متعارف عليه في كل الخطوط الليبية .

شحن الموبايل على وشك ان يفرغ ، دخلت الى صالة كبيرة تم اضافتها مؤخرا في ساحة المطار الامامية ، و هي خيمة كبيرة مكيفة مثل خيمة الاعراس ، اول ما دخلت لها شممت جميع أنواع الروائح ، عرق و روائح رخيصة و أخرى قوية و بخور و الأصعب من ذلك بالنسبة لي ضيق الهواء فالمكان مكتظ بالناس ، وجدت مكان لشحن موبايلي ، و بالصدفة كانت بجانبي امرأة متوسطة العمر ، طلبت مني الجلوس بجانبها و جعلت ابنها يفسح لي المكان كانت جدا ودودة و لطيفة ، اخبرتني لاحقا بأن ابنها اخبرها بأن الطائرة بها عطل ما ، و انا فور سماعي للخبر ارتبكت و لم اعرف كيف سنتصرف في ظرف كهذا .

خرجت لأخي اخبره بما سمعت في الداخل ، طلب مني بدوره ان ننتظر و نرى ما سيحدث ، كانت بجانبي هذه المرة سيدة مصرية مع أبنائها الثلاثة يبدوا انها كانت عاملة لدى احدى المكاتب ، سألتني ان كنت انا في رحلة الإسكندرية و اجبتها بالطبع لا ، كانت مضطربة و خائفة من ان تفوتها الرحلة لأنها أتت متأخرة قليلا ، و لكن بسبب الربكة التي سببتها طائرتنا المتعطلة تأخرت الرحلات الأخرى قليلا ، كان أبنائها صغارًا ، لم يكونوا قادرين على رفع امتعتهم و هي تجبر فيهم ان يرفعوها بأقصى جهد لهم ، كم شعرت بالحزن لحالهم .

بدأ المطار يفضى من المسافرين رويدا رويدا، و رحلتنا مجهول امرها،

المزعج في الامر انه لم يكن هناك أي شخص من الخطوط لنسأله عن الرحلة ، و كأن ان هؤلاء الناس لا أهمية لهم و ليسوا زبائن عندهم يهتمون لأمرهم .

فالمساء شعرت بالبرد دخلت للصالة ، و كان كل من في المطار هم رفقاء الرحلة المتأخرة ، جلست مع مجموعة من السيدات و الشابات نتبادل اطراف الحديث لتزجية الوقت قليلا ، علمتُ منهن ان سننتظر حتى تصل رحلة مصر الى وجهتها و تأتي لنا لتنقذنا من هذا الموقف الصعب ، يعني الانتظار سيطول و يطول و نحن في اول الليل لازلنا ، استغربت من المسافرين الذين من مصراته لم يرجعوا لمنازلهم للراحة و العودة عند البدء في الإجراءات .

في هذه المواقف تبرز أهمية تكوين الصداقات و المعارف ، فصديق لي من مصراته كان على علم بوجودي في المطار و طلب منا ان نخرج للعشاء في احد المطاعم ، في المطعم تسنى لي الاكل و الدخول للحمام ، ففي المطار الحمامات عامة و غير نظيفة بتاتا للأسف ، على الرغم من ان عمال النظافة في كل مكان ينظفون الطرقات و يرفعون اكواب القهوة و السجائر .

عدنا للمطار بعد ان قررنا البقاء فيه و عدم المبيت في فندق ، المريح في المطار ان العاملين فيه جدا محترمين على عكس العاملين في مطار معيتيقة أولئك تشعر بنظراتهم المتحرشة تخترقك اختراقا .

امضينا الليل بكامله و نحن نثرثر انا و اخي و صديقنا العزيز ، على الرغم من الحاحنا عليه بأن يذهب لبيته و ينام الا انه بقى معنا الليل بكاملة الى ان ركبنا في الطائرة .

الجميل أيضا في القائمين على مطار مصراته انهم وفروا ( بطانيات و فراشات ) للعجزة حتى يناموا ، على الرغم من محاولاتي للنوم قليلا الا انه لم أتمكن من ان اغمض عيني لدقيقة واحدة ، في ذلك اليوم تركز الكافيين في جسمي بأعلى مستوياته .

كانت وجوهنا ذابلة تعبة و ناعسه من شدة الاعياء ، و بعض الشباب الجرحى احتجوا و تشاجروا مع المسؤول عن الخطوط ، كان المسؤول بجانبي سمعته يقول على الهاتف لزميله لابد ان تبدأ الرحلة عند السابعة صباحا ، وقتها كانت الساعة الثانية عشر منتصف الليل ، يعني هذا، مازال الكثير من الوقت ، و كيف سيمر ؟؟

عند الساعة الثالثة و النصف تقريبا سمعنا صوت طائرة ، خرج الرجال من الصالة ليتأكدوا من انها الطائرة المرجوة ، و أخيرا كانت هي ، عائدة من رحلتها في مصر .

انتظرنا الى الساعة السادسة صباحا ، كان الشروق في بدايته ، حين اصطفننا لبدء الإجراءات ، و بدأ الناس يتدفقون من اجل رحلاتهم الجديدة و نحن عالقون من اليوم الماضي ننتظر في رحلة لا تستغرق الستون دقيقة .

في تلك الليلة العظيمة ، كان الناس لطفاء مع بعضهم ، على الرغم من قلة حيلتهم الا انهم كانوا متعاونين ، ركبنا الطائرة و الكل حرفيا غط في نوم عميق الى ان وصلنا بسلام الى الأراضي التونسية …يومها ايقنت مدى صعوبة السفر في بلد يخوض حرب أهلية ، و عند العودة أيضا تأكدت من ذلك فبعد مغادرتنا من المطار تم استهدافه بطيران حفتر .

هذه البلد تحتاج الى رحلة ذهاب دون إياب ..

مميزوا التويتر 1

إن الحديث عن جنون التويتر يتطلب جنونًا أكثر منه ، لذلك سأحاول أن اسرد بشيء من الجنون أبرز الشخصيات التي تؤثر في المشهد ” التويتر” و تويتز ، التي تنشرها و تكون متداولة و لها فائدة ما ! .

سأبدأ بعاشق السينما .. محمد بن عمران

بن عمران ، الصديق الهادىء العقلاني ، المتولع بحب السينما إلى درجة أنها عشيقته ، و استغنى بها عن الإناث ، صاحب مدونة أو صفحة مذكرات سنمائية ، تلك المذكرات التي تغدق علينا بحب السينما ، بن عمران كما احب أن اسميه ، اختار للسينما طريقًا له ، و منهاج للحياة ، فلم يكتفي بنشر حبه للسينما على صفحة مذكرات سينمائية فقط ، بل حتى في صفحته الشخصية شاركنا معه هذا الحب فهو لا يخشى أو يستحي في وصف حبيبته أو اظهارها لنا و التغزل بها ، كما يفعل الكثيرين .

لطالما إمتاز اسلوبه التحليلي النقدي بالعقلانية و الهدوء لا نجده يحكم على فيلم معين من منطلق عواطفه فقط ، يبدئ رأيه و يوضحه كالناقد ، و هو اكتسب هذا الشيء ليس في ليلة واحدة ، و إنما على مدار سنوات طويلة مارس فيها فعل النقد السينمائي و خصص وقت طويل من حياته اليومية للأفلام و المسلسلات ، دائمًا اتخيل غرفة بن عمران صالة سينما صغيرة ، غير مرتبة ، تحوطه الكتب و شيتات الجامعة و اكواب القهوة الفارغة ، و قد يكون تخيلي خاطىء ، لا احد يعلم هذا !!

يرى بن عمران في جملة ( it’s complicated ) تصف الكثير من المواقف الإنسانية التي لا نجد لها وصفًا معينًا لذا نصفها بأنها معقدة ، و هذه الجملة نجدها في معظم الافلام .

على الرغم من إن تفاعله يعتبر قليلاً نسبيًا مع ابرز الاحداث التي تدور على مواقع التواصل الاجتماعي متجنبا بذلك وجع الرأس و مركزًا على اهدافه في تطوير ذاته كناقد سينمائي و شغله مؤخرًا لدى احدى الشركات ، يقول بن عمران :

( توقفي عن الكتابة و التعليق على الأحداث الحاصلة في حياتنا ( عامةً) يرجع و ببساطة للفوضى الموجودة في السوشيال ميديا و الفوضى لا يحبذ المشاركة فيها . لهذا ، لدي قناعة بأن استمراري فيما أُحب قد يخلق توازن ما عند الآخرين ، توازن يوضح بأن لكل إنسان دوره ، و لكل دور تأثيره ).

نجد بن عمران ، يرتقي بنفسه في مجال النقد ، حتى نجده يمارس فعل النقد على حياته الخاصة ، ففي احدى التغريدات يحلل و ينقد علاقته مع عائلته ، و هو ما ادهشني قدرته على تحليل و نقد حياته ، التي قد يصعب عليك في احيان انت كشخص ان تفهم حياتك ليس أن تنتقدها ، و لكن بن عمران المتشبع بفن التحليل و النقد قادرًا على ذلك .

اخيرًا اجد في محمد بن عمران ، الصديق الذي اجتهد كثيرًا في مجاله ، و بعد سنوات سيحجز مكانه في مجال النقد و لعلنا نشهد له نحن اصدقائه كتبًا تزدان بها مكتباتنا و نثري بها فكرنا .

الشخصية النسوية المميزة..ملاك

ملاك النسوية بإمتياز ، و المدافعة عن حقوق المرأة ، الزوجة و البنت و الأم ، من خلال التويتز تحاول انها تنبه كل بنت لأهمية حقوقها المهدورة في مجتمع تصف فيه الرجال بأنهم trash ، اسلوبها النقدي الساخر و اللاذع يجعلها تؤثر بشكل سريع و يتفاعل معها متابعينها ، و هو أمر جيد لحد ما.

بإعتبار أنها شخصية غير معروف هويتها الحقيقية ، فلا نعلم ماهو اسمها الكامل أو صورتها ، فتجد متسع من الحرية في التعبير عن رأيها بأريحية عن مختلف المشاكل الحاصلة في البلاد ، و تنتقد هذا و تسخر من ذاك .

مع إنتشار التهجم على الآراء أو الإستهزاء بها إلا أن ملاك ، لم تمارس هذه العادة التي اتقنها العديد من المغردين ، و الذين يتابعهم المئات من الناس .. نجدها تنتقد و تمارس هذا الفعل فقط دون تطرف و احيانًا بإنفعالية في بعض المواقف لكنها سرعان ما تهدأ و ترجع إلى طبيعتها المعتادة في التغريد عن مختلف اليوميات التي نمر بها .

ملاك تجسد النسوية الثائرة ، على المعتقدات الخاطئة و النمطية التي تضع المرأة في قالب معين .

و اخيرا شخصية جدًا لطيفة و مميزة :

Meaning less Gibberish نيروز العبيدي

اسلوبها النقدي و الساخر من الحياة اليومية و المعتقدات و الممارسات ، هو ما يميزها و اعتقد هو ما جعلني أن اتابعها في المرتبة الاولى .

تتسم نيروز أو Meaning less Gibberish

بأنها على علاقة طيبة مع معظم التويبز على الرغم من نقدها و توتيز اللاذعة احيانًا ، إلا أنها ليست متنمرة حتى يكرهها المتابعين و إنما طيبتها و حِكمتها التي لا تتردد في مشاركتها مع الآخرين هو ما جعل منها شخصية مؤثرة .

نيروز ، تمثل الأم ، و المفكرة ، و الفيمنست ، التي تكافح في بلد تتخبط من حرب إلى اخرى ، علاقتها مع طفلها الوحيد جدًا مميزة ، و تشاركنا بعضًا منها ، و نرى مقدار الحكمة و اللطافة التي تتمع بهما في تعاملها مع طفلها .

القضية النسوية ، نلحظها عند نيروز و لكن ليس بشكل متطرف ، أو متشدد ، فهي لا تصف الرجال بأنهم trash ، و إنما تأخذ في القضية على محمل الجد و تناقش قضايا النساء في تغريداتها بصورة علنية و احيانًا بصورة غير مباشرة و الأهم من ذلك أنها ساخرة في معظم الأحيان .

عندما احصر أهم الشخصيات النسائيات في مواقع التواصل الاجتماعي المهتمات بالقضية النسوية ، تكون نيروز من بينهن ، لأن النقد الموضوعي _الرازن_ يجعلها تضيف إلى القضية الكثير ، محاولة منها إلى تغيير شي ما في المجتمع .

تقول نيروز :

( وجودكم جيد من المعتقدين بالتفوق لمجرد انتمائهم للذكور و استغبائهم لأي افكار و خيارات من أنثى بدون اعطائها فرصة لإثبات فشلها و بالمقابل تفهم خياراتهم السيئة و تعزيتها كتجارب اما الخيارات السيئة للإناث سببها طبيعة عقل الأنثى القاصر ).

ميسون السنوسي حبيب

افعل ما تحب و ما تمقت

من المفترض أن اكون في هذا الوقت الذي اكتبُ فيه حاليًا ، ادرسُ لمادة صعبة في تخصص لا اهواه و إنما القدر جعلني ادخل له .

قبل قليل اكملتُ كتابة مقال كان عليّا أن اكتبه منذ مدة ، و لكن لأسباب متعددة لم اكمله إلا اليوم ، و عند كتابتي لأي مقال ، اتذكر في كل مرة كم أنا سعيدة في ممارسة ” فعل الكتابة” ، خاصة الكتابة الصحفية ، و في كل ورشة عمل ، اتجرع جرعات كبيرة من السعادة اخزن بها طاقة حتى اكمل عام دراسي ثقيل ابتدئه كل يوم ، بطريق صحراوية مع هزهزة الحافلة و صخب الاغاني المغاربية او المرسكاوي ، و اكمل يومي شبه دائخة من الارهاق و النوم ، هكذا كل يوم على نفس الوتيرة المملة ! .

اجدُ في الكتابة متنفس ، تغوص في ابعد نقطة من تفكيري و تحرّك اعمق نقطة من وجداني ، فعل الكتابة هو خلاص للنفس من كل ما يعتريها من بؤس و يأس و من ضياع ، يقول الكاتب عبدالعظيم فنجان “ الكتابة فعل مقاومة لكل القبح و الرعب و الخوف ، لا فعل إنصياع “.

قد يجد الشخص نفسه بعيدًا عن الشغف الذي يملاؤه من الداخل ، و يشعر بالضياع ، لان ممارسة ما تحب يجعلك قادرًا على الإتزان ، و المضي في الحياة مع كل عوائقها اليومية .

في ساعات البؤس يولد الإبداع ، لطالما اعتقدت ذلك ، و لطالما كانت الأشعار البسيطة التي اكتبها وليدة ساعات الحزن و اليأس ، الحزن قادرًا على الإبداع بعكس السعادة التي تجعلك منتشيًا باللحظة ، فهي لا تثمر عملاً أو فنًا ، فمتى ما استغليت فترة سعادتك ضاعت منك ، لذلك وجب أن نعيشها كما هي دونما تعقيد أو محاولة منّا لفلسفتها .

كونك وُضِعتَ في مكان لا تحبه و لا ترغب فيه فهذا لا يعني انك لست قادرًا على أن تحقق ذاتك ، من خلاله ، أو أن تنجح فيه ، متى ما استوعبت كيفية مجاراته و التأقلم معه.

اعرفُ الكثير من الصديقات اللاتي يدرسن تخصصات يمقتنها و لكنهن متفوقات من الناحية الدراسية و لم يتركن شغفهن و مارسنه في أوقات مابعد الدوام ، أو إنهن يستغلن كل فرصة مواتية لتحقيق شغفهن بوجود الدراسة .

الخلاصة ، أن متى ما قررت أن تحاول التأقلم مع شيء ما ، فإنه سيسهل عليك و لن يصبح عقبة في طريقك و ستصبح قادرًا على تحقيق الأمرين …ما تحب و ما تمقت.

30/1/2019

بنتُ التونسية

لم اكن طفلة عادية ، عاشت طفولة ملؤها السعادة و الحياة المريحة ، كانت عائلتي مُتشظيّة ، فأمي متقاطعة مع جدّاي لأبي و مع عماتي و اعمامي ، لا أعلم ماهو السبب و لا أريد أن أعلمه بعد محاولاتي الكثيرة للفهم التي تواجه بالصد و إن هذه الأمور ليست من شأني ، و لكن بعد أن كبرت فهمت سبب هذه العداوة المبنية على اساس العِرق الاجنبي لأمي بإعتبارها ليست ليبية .

أنا إسراء ، عانيتُ في طفولتي من كافة انواع التّنمر و الحقد و الكره ممن حولي في المدرسة ، او في الشارع ، من ناس اعرفهم و آخرين لا تربطني بهم ايّ صلة ، فقط لمجرد أنني إبنة التونسية التي تجوزها أبي في اواخر الستينات .

في المدرسة عندما نلعب في الساحة يتحول إسمي من إسراء إلى بنت التونسية التي تنهال عليها افضع الشتائم فقط لأنني لست ليبية مائة في مائة !.

اعودُ للبيت و عيناي متورمتان من البكاء طيلة الطريق التي اقطعها لوحدي من المدرسة إلى البيت ، بينما بقية الأطفال يقذفونني بالحجارة ، أمي حاولت مرارًا و تكرارًا مع المدرسة ، و تقدم في الشكاوي و لكن لا احد يعيرها اهتمامًا ، فهي عاجزة عن فعل ايّ حل خاصة و إن والدي قد توفي و أنا بعمر الثلاث سنوات و اصبحتْ هي المسؤولة عنّي لوحدها ، في بلد تجد نفسها فيه غريبة غير مرحب بها رغم السنوات الطوال التي عاشتها فيه ، حتى ان لهجتها ليبية اصلية، و لكن كل ذلك ليس عذرًا كي يتم قبولها في المجتمع ، حتى الغريب حين نتعرف عليه يصادقننا لفترة قصيرة ثم يختفي من حياتنا ، لأن الآخرين ممن يعرفوننا يختلقون الاكاذيب و القصص الزائفة عنّا التي تنفّر الغير و نصبح وحيدين في بلد غريب لا اعتبرهُ وطناً التجأ إليه حين ضعفي و قوتي .

تقول لي أمي ، إن الإنسان ليس لديه سوى وطنه و مردوده لها ، فأقاطعها ، لما لا نذهب إلى تونس إلى موطنكِ و نحيا بهناء هناك !؟

تصمت أمي و لا تجيبني على سؤالي ، لكنني أقرأ من عينيها التي تقولان ، بأنني سأشعر بأنني غريبة هناك ايضًا ، اكثر من بقائي في ليبيا ، فهنا يشفع لي جواز سفري بأنني من اصول ليبية مهما قست عليا الحياة ، و لكن هناك قد أعاني الأمرّين !

لذا تعاني أمي في سبيلي ، قساوة الغربة و عدم تقبل الآخر لنا ، على أن اعاني انا من هذا الإحساس اذا ما انتقلنا .

العيش بنصف هوية في بلد لا يتقبل الآخر و لا يحترم التنوع لهو تعذيب للروح ، لا تهنأ فيها إلا مع مرور الوقت و التعوّد .

ميسون السنوسي

مرحبا بك يا ربيع

في كل عام اتحرّقُ شوقاً إلى أن ينتهي فصل الشتاء الطويل ببرده القارس ، و لياليه الطولية ، مع كل فصل تحتفل مدينتي بقدوم هذا الفصل ، إلا فصل الشتاء لا نحتفل به و أعتقد بسبب برودته التي تنخر في داخل عظامنا ، فبرد الصحراء قاسي كقسوة شمسها صيفاً .

استيقظُ من الصباح الباكر للعلب مع صديقتي ” مروه” في الحديقة ، فتارة نبني بيوتًا بعجن التراب بالماء ، و نطبخ حساء بورق الأشجار ، و في احياناً كثيرة نتشاجر مع بقية فتيات الحي ، كان الشجار متعتنا قديمًا .

اسمعُ صوت أمي تناديني لأدخل إلى البيت و تناول الغداء ، الوقت يمضي بسرعة باللعب مع صديقاتي في الشارع ، فنحن لانمتلك اجهزة إلكترونية لنلتهي بها ، كل مالدينا الشارع الرحب الواسع !.

تشتهر مدينتي هون بالإحتفال بفصول السنة ، فنحتفل بالصيف و تطهي امهاتنا اشهى انواع الأكل من الملوخية و الآتلي و خبز التنور اللذيذ .

بينما يحتل الخريف الصدارة في مدينتنا ، فنحتفي به بمهرجان الخريف ، عرس المدينة ، نتحرق شوقًا إليه من عام إلى آخر .

اما الربيع ، فإنه يُستقبل بأشهى انواع الحلويات التقليدية ، بكعك لبلاد او كعك الربيع ، و الخشكنان و النقيعة و الفول .

قالت لي أمي اننا سنذهب اليوم بعد المدرسة إلى منزل عمي ، كي نعد كعك الربيع ، تحمستُ كثيرًا و اردتُ أن تنتهي الحصص المدرسية بسرعة .

عند العصر ذهبنا إلى منزل عمي ، وجدنا زوجة عمي قد جهزت ” الجنان” و بدأت هي و أمي في عجن الكعك ذا اللون الأصفر ، تحب زوجة عمي أن تعد اعدادًا كبيرة منه ، حتى تتبادله مع الجيران و الأقارب .

قلتُ لزوجة عمي بلهفة و اشتياق إلى ماتعده : ” هل ستعدين الخشكنان ؟”

ابتسمت و قالت :” نعم ، اذهبي للمطبخ و احضري لي الزيت ”

ذهبتُ راكضة للمطبخ ، فهي تُعد الذ خشكنان في المدينة ، و هو عبارة عن كعك مقلي مرشوش بالسكر .

تعدّان الكعك و تشكلانه إلى عدة اشكال ، فللبنات تصنعان الضفيرة و المنزقة و هي حُلي للعروس ، و للأولاد السيف و الصلاية .

بعد أن ينتهيان من اعداده ، يقوم والدي برفعه إلى ” الكوشة” لخبزه ، في احيان سيئة قد يرجع الينا الكعك محروق او ليس بالدرجة التي تريدها أمي في الطبخ .

عند المساء تجتمع العائلة ، و الكل ينافس بطبقه مدعيًا أنه الألذ و الأشهى ، تتزين الأطباق بالورود و الفول و النقيعة .

لم اعرفُ يومًا سبب إحتفاء هون بفصول السنة و تأليف الاغاني لها ..

مرحبا بك يا ربيع بالصحة و العافية و النعمة اللي ضافية ، تربح تربح يا شتاء و اجعل عقبيتك دفاء ، طولني طول الشجر و عرضني عرض البقر .

و في الحقيقة لا أعلم ايضًا ما الجمالية في طول الشجر و عرض البقر !

كل ما اعرفه أنني أتلذذ بكعك الربيع و طقوسنا الحميمية كل عام .

ميسون السنوسي حبيب

عقدين

على اعتاب العشرين عاما ، و كم هو مريب هذا الرقم ، فلم اعد تلك الفتاة الصغيرة التي تلعب و تلهو في الشارع منذ الصباح الباكر و لم اعد تلك المراهقة ذات المشاعر المندفعة و الجياشة ، اصبحتُ اكثر نضجا اكثر وعياً ، تطلب مني الكثير من العناء و التحولات لكي اكون ما انا عليه الآن، اصبحت لا اخشى ان افصح عن عمري في الملتقيات و الاجتماعات ، كي لا اكون اصغرهم سناً ، على الرغم من انه كان يثبت لي صغر سني في تلك التجمعات انني على الطريق الصحيح و في المسار الذي اريده .

تطلب مني الكثير من المشاعر و التخبط حتى وصلت لهذا العمر و انا كلني فخر بما حققت و انا على اعتاب العشرين ، انا تلك الفتاة التي حققت جزء بسيط من احلامها في ان اصبح صحفية ، و كلني سعادة بخطواتي الصغيرة في هذا المجال ، اذكر جيداً ردة فعل و تعليقات المدربة في اخر ورشة عمل عن الصحافة في معهد صحافة الحرب و السلامiWPR ، و هي معجبة بالبرنامج الذي اعددته ، و لا انسى اطراءات الزملاء حينها من الاذاعات الاخرى ، انا التي ادرس القانون الذي ارغمني عليه الوقت ، و استطيع ان افصح لكم بأنني احبه اخيراً و يعكس جزء كبير من شخصيتي ! … و انا التي حققت اكبر انجاز لي بأن اسست ملتقى شباب الخريف ، في كل مرة استرجع ذكريات الملتقى و المهرجان غبطة تملأ قلبي حد الجنون و النشوة !

قد تكون تلك الانجازات القليلة بسيطة بالنسبة للبعض ، لكنها عظيمة بالنسبة لي و انا على اعتاب العشرين و انجزت كل هذا !! ليس غرورا و انما امتناناً لنفسي اولا و لعائلتي و اصدقائي الداعمين لي دائما .

عشرون عاما من الحب و الفرح و الحزن ، كلها شكلتني و رسمتني بما ابدو عليه اليوم و لازالت ستشكلني و ترسمي في اجمل لوحة .

أُطبِقُ عقدين من الزمن خلال اربعة ايام

١٨/١٠/١٩٩٨

تدوينة قصيرة

ان كل ما تحتاجه الانثى هو مجرد الإهتمام ، قليل من الإهتمام يكفيها ، من الاهل من الاصحاب ، اما اهتمام الحبيب فهو ما يثلج قلبها و يهدىء من روعها .

كثير منا ينقصه هذا الاهتمام فيعوضه بالانشغال في اشياءاخرى تلهيه لبعض الوقت ، و كلما سرح بخياله قليلا يعاوده ذاك الشعور بالحاجة و بالفقد ، لذا لابد لنا ان نكون حذرين في تعاملنا مع من حولنا ، ان نهتم لأجلهم و نكون معهم في كل خطوات حياتهم .

أزفر أيامنا

لتحتضنها وسادتي

أجمع شتات الهوى

و أنفضه في آخر سيجارة

كنا شربناها

عند مفترق الطريق

اُطفئها في بركةٍ صِبخة

لا حياة فيها

سوى انعكاس لقصتنا

اخلدها و أرويها

لمحبوبٍ قد سَئِمَ

نشاز غنائي عنها

مع كل فنجان قهوة

نحتسيهُ رفقة ذكرياتي مَعَكَ

٢٢/٥/٢٠١٨آله الحب و الجمال المُٰحتشِمة . متحف باردو .

قليلٌ من الشعر

أ هي الأيام ام السنين!

من تجعلك تائهاً

غارقاً في زوبعة عاتية

ترفعك لأعلى التلة

ثم ترميك في قاع الوادي الموحل

الملطخ بكلمات قذرة

يغرقونك في تفاهة واقعهم

تجاريهم لأيام ، لأسابيع

تتمرد عليهم

تطهر روحك بمياه البحر

تلوثه بدورك بعباراتهم

علّه يتجدد كيانك

و تنتعش نفسك برآئحته

ليعود الهدوء لكيانك

تتنفس الصعداء

و تبدأ المحاربة اعنف من ذي قبل

تحارب ذاتك ومن ثم

تحاربهم ،،و تنتصر لحلمك