بلاك أوت ! 

حين تتكاثف السُّحب و تشكّل غيوماً رمادية ثقيلة مُشبّعه بالمطر ، الذي لطالما إنتظرتهُ الصحاري الباردة الجافة ، حينها تتملكها غِبطة مفقودة منذ زمن ، تنتشي قليلاً مع زخّات المطر المُستحية ، و من ثَم تحبسُ قطراتها و تبخل بها ، لتنثني و تتقرفص النّخلات محتضنةً الكثبان و تموت . 
هكذا هو حالنا مع إنقطاع الكهرباء المتواصل لأسابيع ، تكسونا العتمه لساعات طِوال ، يلتهمنا الظلام الموحِش 

يؤرقنا و يوخزنا ببردهُ القارس ، و نصبح أكواماً من الملابس المتقرفصة كالنخلات الباسقات الذابلات ! 
يجد البعض في الحطب و الفحم وسيلة اخيرة للحصول على القليل من الدفء و من ثم يقعون فريسة للإختناق ، و يدخلون في دوامة من الصُداع و الغثيان و قد لا يجد البعض هواءً نقياً في عتمة الليل ، فيبتلعهم ظلام الموت .
نمارس هذا المشهد لأسابيع ، بذات التذمّر و القهر و اللامبالاة ايضاً ! 

نُقطّر المياة تقطيراً مخافةً ان تنفذ المياة الساخنة تحديداً ، تشعر بأنك سعيد الحظّ اذا تحصلت على بعض القطرات الساخنة عند ساعات الصباح الاولى و ان _السخانة_ لم تنفذ جعبتها بعد .. فتحمد الله في ركعات الصباح .

و إلا ستضطر إلى تسخين المياه و تعيش الحياة البدائية على اصولها .
اذا كنت محظوظاً كفاية و تمتلك موّلد كهربائي فستمضي بضع ساعات من يومك دون عُتمه ، و لكن هذا الأمر لايدوم طويلاً ؛ لان المولِّد بطبيعة الحال ليس مجهزاً لكي يعمل مدة يوم كامل ! .
و لكنك ستتمتع بقليل من الإناره رغم الحانه المزعجة التي تصيبكَ بالصُّداع ، 

و حين تخرج إلى الشوارع فستجد سُحباً متكونه من الهواء الملوث من عوادم موّلدات الكهرباء مع اوبريت تتراقص معه الاشجار الذابلة الشاحبة 
تحاول ان تتأقلم و تتعايش مع الوضع المُزرء ، رغماً عن أنفك المتصلب من البرد ، و ان تحاول السّير و الركض وراء قوت يومك رغماً عن رِجلاكَ المُتيبِّسة كقطعة من الثلج . 
قد تحصل على ساعاتك من الكهرباء في توقيت لا حاجة لك به ، حينها عندما تكون تغِّطُ في نومٍ عميق ، عند الرابعة فجراً ، فتسمع صوت التلفاز مرتفع ، و تنفتح عليك الأضواء ، لا تعلم حينها ماذا تفعل ! 

فالتوقيت غير مناسب لفعل أيُّ شيء 

إلا اذا كنت تريد غسل ملابسك المُتّسخة فتضعها في الغسالة ، و تشغل المدفأة و ترجع للنوم و انت تلعن كل من له يد في هذه المأساة ، و الأنكى من هذا أن يتم فصل الكهرباء من جديد بعد اقل من ساعة و تتذكر ملابسك فتسحب عليك الغطاء محاولاً ان تنام متجاهلاً ثيابك التي تسبح في بركة من الماء . 
يحثونا على الصبر و اتخاذه زاداً لنا في هذه الأيام الإستثنائية كما يزعِمون ، إلاّ ان هذا الصبر يوّلد معه امراضاً و عقداً نفسية داخلية ، لا يُدركَها الفرد ، فتصبح حياتك ممغنطة تتصادم مع ايّ شخص على أتفه الأسباب و تنشب الخلافات و يرتفع مستوى الجريمة إلى اقصى مستوياته و تصبح السرقة مُشرّعة و مباحة للعيش ! 
و يأتيك تساؤل طفل صغير لا عِلم له بمسببات هذه المعاناة ، و يطرح تساؤلهُ بكل بساطة :
ليش معندناش ضّيْ زي البلدان الثانية !!!! ؟ 

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s